محمد حفيظ : صبرا جميلا.. أخي وصديقي ورفيقي محمد الساس

محمد حفيظ : صبرا جميلا.. أخي وصديقي ورفيقي محمد الساس

شاءت الأقدار أن يكون أخي وصديقي ورفيقي محمد الساسي برفقتي في بيتي حين تلقى نبأ وفاة والده المختار الساسي.

كان سي محمد (كما اعتدت أن أناديه) قد حل بالدار البيضاء في اليوم السابق، حيث كنا رتبنا لقاءنا من أجل التوجه إلى بيت صديق طفولته المسؤول النقابي الكونفدرالي المرحوم حدو عياد، الكاتب العام الأسبق للنقابة الوطنية للمالية، الذي وافته المنية يوم 18 يونيو 2020، لتقديم العزاء لأسرته، إذ لم نتمكن، بسبب ظروف الحجر الصحي، من الحضور يوم رحيله لمواساة أفراد أسرته.

وكذلك كان؛ ففي مساء يوم الخميس 02 يونيو 2020، زرنا، برفقة زوجتي فاطمة يحياوي ورفيقتنا فاطمة الزهراء الشافعي، بيت المرحوم عياد.
وبعد ذلك، رجعنا إلى بيتي، حيث قضينا ليلة سمر بهي، بعدما حرمنا الحجر الصحي من اللقاء المباشر حوالي أربعة شهور. وكانت ليلة ممتعة كتلك الليالي التي كنا، منذ بدأت رفقتنا قبل حوالي 30 سنة، نقتنص كل فرصة أتيحت لنا لاقتطاعها من زمن مشاغل الحياة ومهام الشبيبة و”النشرة” والحزب…

وفي خضم سمرنا، كان للوالد، المختار الساسي الذي سيرحل عنا بعد ساعات، حضور مثير. فقد أخبرنا سي محمد بأن التعب بدأ يشتد على والده في الأيام الثلاثة الأخيرة، ثم انطلق يحكي مشاهد من علاقة عجيبة جمعت الساسي الابن بالساسي الوالد، واختلط الجد بالطرافة في ذلك الحكي الممتع على لسان سي محمد.
في نهاية صباح اليوم الموالي (الجمعة 03 يوليوز 2020)، كان سي محمد يتهيأ لمغادرة بيتي صوب محطة القطار للعودة إلى الرباط. وبينما كان في مكالمة هاتفية، تلقى هاتفُه – في حدود الساعة الواحدة بعد الزوال – اتصالا هاتفيا. حينما لمح الرقمَ، اعتذر من مخاطبه، مستأذنا مواصلة الحديث لاحقا. كان الرقمُ الذي ظهر على شاشة هاتفه رقمَ هاتف منزل والديه.. كأنما حدسُه أخطره بأن خطبا ما وراء الاتصال، وعليه أن يجيب بسرعة.

كان المتصل والدته حفظها الله. علمتُ ذلك حين رد: “ألو مِّي”. مباشرة وبمجرد ما انطلقت المكالمة، سأل عن والده، ثم تغيرت ملامح وجهه، ونهض وهو يقول: “بَّا.. بَّا..”. لم أجد غير سؤال: “مكاين باس سي محمد؟.. مكاين باس؟..”. فكان جوابه: “بَّا ماتْ…”.

خبر مؤلم.. مؤلم.. شعرت بألمه القاسي أيما شعور، أنا الذي شربت من كأسه قبل حوالي ثلاث سنوات، حين استيقظت ذات صباح على نبأ رحيل والدي، بعدما كنت قضيت معه وقتا، خلال زيارتي له وأسرتي، ولم أعلم أنها ستكون الزيارة التي وقَّعت على اللقاء الأخير.

عم صمت رهيب لم يكن يكسره إلا استعدادنا السريع للذهاب إلى الرباط. رافقته وزوجتي على متن سيارتي من منزلي بالبيضاء إلى منزل والديه بالرباط.

في الطريق السيار بين المدينتين، كان سي محمد يتتبع مع إخوته الإعداد لإجراءات الجنازة والدفن، ويتلقى التعازي من الأصدقاء والرفاق والزملاء ومعارف العائلة وأبناء الحي.

بعد حوالي ساعة ونصف، كنا في بيت الفقيد، حيث ينام نومته الأخيرة، قبل نقل جثمانه إلى مقبرة الشهداء، حيث سيوارى الثرى في عصر يوم رحيله.

لا أريد أن أختم ما شاركته معكم هنا، دون أن أذكر واقعة عشتُها والساسي ومن كان معنا بباب المقبرة.

شاءت الأقدار أن يفارق والد محمد الساسي الحياة في ظل ظروف حالة الطوارئ الصحية التي نعيشها بسبب جائحة كورونا. ولذلك، فقد جرى نقل جثمان الفقيد بدون موكب جنائزي، إلا من سيارتين اثنتين كان على متنهما حوالي ثمانية أشخاص من الأصدقاء والمعارف، وكانت سيارتي، التي كان على متنها الساسي وصديقنا رشيد لمهرس، إحداهما.

وصلنا إلى الباب الرئيسي للمقبرة، حيث أوقفنا السيارة في موقف السيارات. وكان علينا أن نمشي مسافة غير قصيرة قبل أن نصل إلى مدخل صغير عبر باب لعلو. حين وصلنا، كانت السيارة التي تحمل الجثمان قد سبقتنا، وأَدْخَلَ من كانوا على متنها النعش. توجهنا نحو المدخل الصغير، حيث كان يقف ثلاثة عناصر من الأمن والسلطة المحلية. وبينما كان الساسي يهم بدخول المقبرة، اعتذر منه عون السلطة وأخبره بأن العدد المسموح به قد رافق الجثمان. فرجع على الفور، دون أن يحاول انتزاع السماح بالدخول، بدعوى أنه ابن الفقيد، أو أنه بكر أولاده، أو أنه لا يقوى على أن يُحْرَمَ من إلقاء النظرة الأخيرة على والده وهو يوارى الثرى، ومن توديعه الوداع الأخير…

أحد الأشخاص ممن رافقوا الجثمان ودخلوا المقبرة تابع ما حدث من خلف المدخل الصغير، فرجع على التو، ليغادر المقبرة ويدعو سي محمد إلى الدخول عوضه، دون أن يتم تجاوز العدد المسموح به.

هذا هو محمد الساسي كما عرفته منذ أكثر من ثلاثين سنة.

أجدد تعازي الحارة لك، أخي سي محمد، ولوالدتك الحاجة رحمة، ولجميع أفراد عائلتك، داعيا الله أن يرزقكم الصبر في هذا المصاب، وأن يتغمد الفقيد بواسع رحمته.

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.